يحتفي المجتمع القطري بشهر رمضان عند حلوله، إذ ينتظره الجميع بفارغ الصبر، والكثير من الزينة والمعايدات، وكذلك من خلال طقوسٍ مميزة تجمع بين العبادات والتقاليد الاجتماعية، كالإفطارات الجماعية، والصلاة في المسجد، وإقامة الفعاليات والابتهالات الدينية وغيرها، وذلك في أجواءٍ روحانية مبهجة.
يحل شهر رمضان المبارك في قطر أحيانًا خلال العام الدراسي، فيغير من شكل الحياة الطلابية اليومية سواءً في المدارس أو في الجامعات. فالصيام لا يغير مواعيد الأكل والشرب وحسب، بل ويعيد تشكيل البرنامج الدراسي للطالب طوال شهرٍ كامل.

وبهذا، تُصبح الدراسة في رمضان تجربة جماعية وفردية في آن، فعلى الرغم من أن آلاف الطلبة يمرون بنفس الظروف خلالها، إلا أن لكل طالب منهم تجربة فردية تختلف باختلاف العديد من العوامل: كالمرحلة الدراسية، والمستوى التعليمي، والعمر، والبيئة التعليمية، وطبيعة الدراسة وغيرها، وفي هذا المقال نسلط الضوء على الدراسة في رمضان، ونجيب على العديد من التساؤلات، ومنها: كيف يتأقلم الطلاب مع تغير الروتين الدراسي، و ما هي أفضل اوقات الدراسة في رمضان؟ والمزيد.
تغير الإيقاع اليومي وأنماط النوم في رمضان
تراعي المؤسسات التعليمية في قطر خصوصية شهر رمضان المبارك، وذلك من خلال تعديل ساعات الدوام وتقليص ساعات الدراسة، إلا أن ذلك لا يعني إلغاء التحديات والصعوبات المرتبطة بالتحصيل التعليمي، إذ تتطلب التغييرات الزمنية فهمًا أكبر من الطالب، وتركيزًا مضاعفًا، وحضورًا ذهنيًا على الدوام، فالمحاضرة تُختصر إلى 40 دقيقة في رمضان بدلًا من 50 دقيقة في الأيام الاعتيادية، وتصبح مدة المحاضرة 60 دقيقة في رمضان بدلًا من 75 دقيقة في الجامعات.
ويعتبر ضبط برنامج النوم للطالب تحديًا هامًا أيضًا، فالسهر يمتد إلى ما بعد صلاة التراويح، بل إن الكثير من الطلبة يبقون مستيقظين حتى آذان الفجر، بسبب اقتران الآذان بوجبة السحور التي تسبقه بقليل. كما يفضل المعظم الدراسة بعد الإفطار على المذاكرة أثناء ساعات الصيام، ولا شك بأن هذا الاختلاف المفاجئ في ضبط الساعة البيولوجية للجسم يؤثر مباشرةً على قدرة الطالب على الاستيعاب، وخاصة خلال ساعات الصباح الأولى.
ولمواجهة هذا التحدي والتحكم بالإيقاع الزمني اليومي للطالب؛ فإنه يجب التأقلم مع الروتين الرمضاني لا مقاومته، دون الإصرار على المواظبة على معدل الإنتاجية والجهد المبذول ذاته في الشهور العادية الأخرى، فذلك يؤدي إلى التعب والإرهاق والشعور بالإحباط والتقصير، وإنما يُنصح الطلبة بالاستعانة بالاستراتيجيات الذهنية لزيادة التركيز والحفاظ على مستويات الطاقة.
يُعد ثبات مستوى السكر في الدم العامل الأهم للحفاظ على الطاقة والتركيز، وهو ما يساعد الطلبة على الشعور بنشاط ذهني أطول وقدرة أفضل على التركيز أثناء الدراسة، خصوصًا خلال فترات الصيام، ولذلك، يُنصَح بالاعتماد على وجبات تحتوي على كربوهيدرات معقّدة مثل (الشوفان، والخبز الأسمر، والأرز البني) إلى جانب مصدر بروتين
مستويات الطاقة بين الدراسة والصيام
تختلف مستويات الطاقة في الجسم بصورة ملحوظة خلال اليوم في رمضان، فالصيام بحد ذاته تجربة جسدية ونفسية عميقة. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يشعر الطلبة بالحيوية والنشاط خلال الساعات الأولى من الصباح، وذلك لأنهم حصلوا على حاجتهم من الطعام في وجبة السحور، ونالوا قسطًا من الراحة والنوم، فتكون الطاقة في أعلى مستوياتها.
بينما يتراجع ذلك المستوى تدريجيًا كلما اقتربت ساعة الإفطار، إذ يبدأ الجسم بالتكيف مع النمط الغذائي الجديد، فيشعر الطالب بالخمول والكسل، وعدم المقدرة على استيعاب المزيد من المعلومات. ويلعب البعد النفسي دورًا رئيسيًا في هذا السياق، فحتى لو كان باستطاعة الطالب حفظ بعض المواد الدراسية أو مراجعتها، فإنه يتوقف تمامًا عن الدراسة في آخر ساعات الصيام، وذلك ما يبين أهمية العلاقة بين رمضان والصحة النفسية للطلاب.
كيف توازن بين الدراسة والعبادة في رمضان؟
وقد أظهرت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة "Journal of Clinical Nutrition and Metabolism" العلمية أن أداء بعض الوظائف المعرفية لدى الصائمين يكون أعلى في ساعات الصباح الباكر مقارنةً مع فترة العصر، فقد تحسنت مؤشرات الإدراك، والانتباه، والحضور الذهني، وسرعة المعالجة في اختبارات الصوم عند الساعة 9:00 صباحًا بالمقارنة بالأداء الضعيف نسبيًا عند الساعة 4:00 عصرًا.
وتُظهر النتائج أن القدرة الذهنية لدى الصائم تنخفض في فترة ما بعد الظهر بسبب طول فترة الصيام، وتأثيرات نقص مستويات الطاقة في الجسم بالتدريج، ذلك مع أخذ العديد من العوامل الأخرى الهامة بعين الاعتبار، مثل النوم، وكمية الطعام، ومعدل الجلوكوز في الجسم وغيرها.
الفروق بين طلاب المدارس وطلاب الجامعات خلال الصيام
على الرغم من أن جميع الطلبة في قطر يمرون بتجربة الصيام بنفس عدد الساعات، إلا أنها تختلف بين طلاب المدارس وطلاب الجامعات بالتأكيد، إذ غالبًا ما يكون برنامج طلاب المدارس أقل جهدًا، وأكثر تنظيمًا، وأقل أعباءً أيضًا، إذ تقع مهمة تنظيم الجدول الدراسي والحرص على سيره وفق المخطط على المعلم والإدارة لا على الطالب نفسه.
وكانت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر قد أعلنت أن الدوام الرسمي لطلبة المدراسة ورياض الأطفال في رمضان من العام السابق 2025 سيكون من الساعة 8:30 صباحًا وحتى الساعة 12:00 ظهرًا، بهدف تحقيق الاستفادة التعليمية مع مراعاة خصوصية الشهر الفضيل.

بينما يواجه طلاب الجامعات عبئًا دراسيًا أكبر بسبب تحملهم كامل المسؤولية في إدارة وقتهم، وتنظيم ساعات الدوام، وخاصة مع تمتعهم بامتياز مرونة جداول الحصص الدراسية، ولكنهم من جانب آخر يواجهون صعوبة أكبر في الموازنة بين المتطلبات الدراسية والسهر الرمضاني، وخاصةً في فترات الاختبارات وتسليم المشاريع، ومن المهم أن يساعد المعلمون في توجيه ارشادات صحية للطلبة في رمضان، بحيث تساعدهم على تنظيم دروسهم.
التكيف في رمضان بدل السعي إلى إنتاجية مثالية
من الأخطاء الشائعة التي يقع بها معظم الطلبة في شهر رمضان هي محاولة حفاظهم على نفس الوتيرة المعتادة من الدراسة قبله، إذ قد يتحول هذا السعي لتحقيق المثالية الإنتاجية إلى عبء يؤدي إلى نتائج عكسية، وخاصة عندما لا يتماشى الجهد المبذول مع النتائج النهائية.
فخلال ساعات الصيام المُتعِبة لن يتمكن الطالب من إتمام كافة المهام والمسؤوليات التي كان يؤديها قبل رمضان، إذ يحتاج الجسم إلى الراحة أثناء الصيام وبعد الإفطار، ولهذا على الطالب أن يُعدَ خطة للتكيف مع الشهر الفضيل، دون أن يشعر بأن هذا نوعٌ من التراخي أو الكسل، بل يدل ذلك على إدارة ممتازة للوقت، ووعيٍ كامل بأن التركيز والطاقة والعطاء ما هي إلا عوامل تتأثر في شهر رمضان، وسنقدم نصائح للحفاظ على التركيز في الدراسة أثناء الصيام في مقالاتٍ أخرى.
تنظيم الجهد وفق قدرة الجسم يُعدّ سلوكًا صحيًا يساعد على تحسين الأداء الذهني وليس دليلاً على الكسل، بل على إدارة واعية للطاقة
كلما أسرع الطالب بإدراك هذه المعادلة الجديدة، وتنظيم جدول الدراسة بناءً عليها، كلما كانت سيطرته أسرع على روتينه اليومي، وزادت فرصه في الحفاظ على معدلات تحصيله العلمي، أو رفع الدرجات، كما يصبح أكثر قدرةً على توزيع جهده بصورة متوازنة متجنبًا الشعور بالذنب أو الفشل.
تنظيم وقت الدراسة في رمضان
ومن الأمور المهمة التي يمكن أن تساعد على التكيف أيضًا؛ تقسيم أوقات الدراسة إلى جلسات قصيرة مع فترات راحة منتظمة، فبدلًا من إجهاد النفس في محاولة الدراسة لساعاتٍ طويلة متواصلة، يُستحسن أن يعتمد الطالب إحدى تقنيات الدراسة الحديثة، مثل تقنية "البومودورو"، بحيث يدرس الطالبة لمدة (25-30) دقيقة متواصلة، وتليها (5-10) دقيقة راحة. تُساعد هذه التقنية على الحفاظ على الطاقة أثناء الدراسة، وترفع من قدرة الدماغ على استيعاب المعلومات بشكلٍ أفضل، كما تمنح الطالب شعورًا بالإنجاز والرضا.
أبعاد الدراسة الأساسية في رمضان
تشمل الدراسة في رمضان أربعة أبعاد أساسية، وهي: الوقت، والتركيز، والتوازن، والأخطاء الشائعة. وأما الوقت فيختلف من حيث قصره وسرعة إيقاعه في الشهر الفضيل، بينما يتأثر التركيز بمجموعة من العوامل الجسدية والنفسية للطالب، ويُعتبر التوازن تحديًا هامًا له، في محاولته للموازنة بين الدراسة والعبادة والحياة الاجتماعية، وأما الأخطاء الشائعة فهي مثل المبالغة في التوقعات، أو عدم القدرة على التأقلم، أو تجاهل احتياجات الجسم والعقل والروح.
يتخذ شهر رمضان بعدًا روحانيًا لكافة شرائح وفئات المجتمع في قطر، وتُعتبر الحياة الاجتماعية والسهرات والفعاليات والأنشطة الرمضانية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، وهو ما يُحتم على الطالب التأكد من استيعاب أهمية هذه الأبعاد الأساسية، والبحث عن أهم استراتيجيات فعّالة لتحسين الانتباه أثناء الصيام، وسينعكس ذلك على الإنتاجية والأداء والعديد من العادات الإيجابية بوضوح.
المؤمن يستعد لرمضان بمدارسة أحكام الصيام، والقراءة في فضائله، وسماع المواعظ التي تُحيي في القلب الشوق إلى الضيف الكريم، وكذلك الالتزام بورد قرآن. وهذا يعكس كيف يمكن للطالب أن يربط بين العبادة وتنمية الذات والعادات الإيجابية.
د. محمد عبدالرشيد صوفي، محاضر في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر
تُعتبر الدراسة في رمضان داخل دولة قطر تجربة استثنائية تمزج بين الالتزام الروحي والطموح الأكاديمي، فالنجاح في هذا الشهر لا يقاس بعدد ساعات السهر أو بمحاولة محاكاة الروتين المعتاد في بقية الشهور، بل بمدى قدرة الطالب على إدارة وقته وشحذ طاقته بمرونة وذكاء.
ولقد هيأت المؤسسات التعليمية في قطر، من مدارس وجامعات، بيئة داعمة تراعي خصوصية الصيام، أما تنظيم ساعات النوم، والاهتمام بنوعية الغذاء في السحور، واختيار ساعات الصباح الباكر للمذاكرة المركزة، فهي مسؤولية الطالب لتحقيق التفوق في هذا الشهر الفضيل.
ومن المهم التأكيد على أن رمضان ليس عائقًا أمام التحصيل الدراسي، بل هو مدرسة لضبط النفس وترتيب الأولويات، فإذا نجح الطالب في تحقيق التوازن بين عبادته ودراسته، فإنه يخرج من هذا الشهر مكتسبًا مهارات في إدارة الذات تتجاوز حدود القاعات الدراسية، لترافقه كمنهج حياة في مستقبله المهني والشخصي على الدوام.
تلخيص باستخدام الذكاء الاصطناعي :














