تتجاهل التعميمات الشائعة حقيقة أن الصين، قبل أقل من مئة عام، لم تكن الدولة الموحدة التي نعرفها اليوم.
فالتوحد تحت حكومة مركزية واحدة، أعاد إحياء أكثر من خمسة آلاف عام من المعرفة المتراكمة، ومنه انطلقت الصين مستثمرة إرثها الحضاري العميق. ويظهر أثر الحضارة القديمة بوضوح في اللغة والتاريخ والرياضيات، ويعزى ذلك جزئيا إلى نظام العد الصيني.
ما ينبغي معرفته عن نظام العد الصيني القديم:
- نشأت الأعداد الصينية عبر عصور متعددة، وتطورت مع تعاقب السلالات الحاكمة.
- لكل دولة أنظمتها العددية الخاصة، وهو ما عكس التعدد السياسي والثقافي في تلك الفترات.
- مع توحيد الصين، توحدت اللغة ونظام العد معا، مما أسهم في تعزيز التواصل الإداري والثقافي.
- ساعد اعتماد نظام البينيين (Pinyin) والحروف الصينية المبسطة على تسهيل تعلم الأعداد الصينية وإتقانها.
لمحة عامة عن نظام العد الصيني في العصور القديمة
تستعمل الصين اليوم شكلين رئيسيين من الأعداد: الأعداد الصينية التقليدية، والأعداد العربية المتداولة عالميا.
غير أن الاستعمال اليومي للأعداد حاليا لا يعكس الأهمية المحورية التي كانت تحتلها في الثقافة الصينية القديمة.
فقد كانت الأعداد وسيلة لنقل معلومات حيوية في الطقوس الدينية، حيث استعملت لإبلاغ الأسلاف بخسائر المعارك، وأعداد الماشية، ومواعيد الأحداث المهمة.

وقد اكتشف علماء الآثار العديد من النقوش والرموز محفورة على عظام وأجزاء من أصداف السلاحف في مقاطعة هينان (Henan Province) وكذا أماكن أخرى في أنحاء الصين، ووجدت عليها الرموز الواردة في الرسم البياني أعلاه منقوشة بدقة.
ويذهب العلماء في نظرياتهم إلى أن ما يعرف بعظام الوحي (عظام العرافين) هذه كانت تستخدم قديما بهدف طلب الحكمة والمشورة من الأسلاف.
تفضل الثقافة الصينية التقليدية استشارة الأسلاف، سواء أكانوا من العائلة ورحلوا منذ زمن بعيد، أم شخصيات حكيمة خالدة، مثل الفيلسوف الحكيم كونفوشيوس (Confucius)
كان نظام العد الصيني القديم منطقيا إلى حد بعيد، فبالرغم من أنه لم يتضمن الصفر (0)، لأنه لم يكن نظاما موضعيا، إلا أنه استند إلى الأساس العشري، وهو الأساس الذي لا يزال معتمدا إلى يومنا هذا.
وباستعمال الحروف الصينية المبسطة، يمكن توضيح هذا النظام بسهولة على النحو الآتي:
百三 ) bai san) باي سان - (103)
百十三) bai shi san) باي شي سان - (113)
百三十) bai san shi) باي سان شي - (130)
三百) san bai) سان باي - (300)
لعلك من خلال مثالنا البسيط هذا، لاحظت النمط الذي يسهم في تحديد قيمة العدد.
إذا جاءت قيمة أصغر بعد قيمة أكبر فهذا يدل على عملية الجمع 百三 (تعني 100 + 3).
إذا جاءت قيمة أصغر قبل قيمة أكبر فهذا يدل على عملية الضرب 三百 ( تعني 3 × 100).
فعلى سبيل المثال، نلاحظ نمطا ثابتا يساعد على تحديد قيمة الرقم، وينطبق هذا النمط أو "القاعدة" على جميع الحالات؛ فالرقم 33 يكتب بالحروف الصينية المبسطة كالآتي:
(سان شي سان 三十三)، الرمز الأعلى قيمة، 十، يوجد بين رقمين من الآحاد (أمامه وخلفه الرقم ثلاثة)، ويقابله في الصيغة العربية التعبير: 3 × 10 + 3
وباتباع قاعدة ترتيب العمليات الحسابية (إجراء الضرب قبل الجمع)، نحصل على الناتج الصحيح وهو 33.
تسميات نظام العد الصيني القديم
كما ذكرنا سابقا، لم يستعمل الصينيون القدامى الصفر أو العلامات الموضعية كما في أنظمة العد الحديثة، بل اعتمدوا رموزا مميزة للتفريق بين الآحاد والعشرات والمئات والآلاف.
تجمع أنظمة العد الغربية الأعداد بمجموعات من ثلاثة أرقام، مثل: 100 000 أو 1 000 000.
بينما تجمع أنظمة العد الصينية الأعداد بمجموعات من أربعة أرقام:
(تشيان 千 qiān) = 1000
(وان 万 wàn أي 104) = 10000
(يي 亿 yì أي 108) = 10000.0000
والتحدي الأكبر في إتقان هذا النظام هو التعرف على ما يمثله كل رمز، مع العلم أن بنيته تظل منطقية وأنيقة في آن واحد.
تاريخ نظام العد الصيني
لفهم أحد أقدم أنظمة العد في العالم، لا بد أولا من التعرف على تاريخه.
يمكن تتبع هذا النظام إلى الفترة ما بين عامي 479 و221 قبل الميلاد، وهذه الحقبة معروفة باسم حقبة الممالك المتحاربة، وهي مرحلة اتسمت بالصراعات السياسية، لكنها شهدت في الوقت ذاته تنظيما اجتماعيا متقدما وريادة في نظام الخدمة المدنية.

وقد ترسخ النظام العددي خلال عهد أسرة تشين Qin Dynasty (221-207 ق.م)، إذ تطلبت البيروقراطية آنذاك تسجيل بيانات دقيقة تشمل:
أعداد الماشية وخزينة الدولة.
الجنود الذين سقطوا وفقدوا في المعارك.
مخزون الطعام والأسلحة.
وتعد قرية شياودون (Xiaodun) في مقاطعة هينان من المواقع البارزة في تاريخ الرياضيات الصينية، إذ كانت عاصمة أسرة شانغ (Shang Dynasty) التي حكمت بين عامي 1556 و 1046 قبل الميلاد، وهي واحدة من أقدم الأسر الحاكمة الموثقة في تاريخ العالم، وهذا يعني أن أقدم السجلات المكتوبة في الصين تعود إلى تلك الحقبة.
كما لم تزدهر صناعة الورق في الصين إلا نحو العام 2 قبل الميلاد، وقبل ذلك استخدمت مواد مثل اليشم، والنحاس، والعظام، وقواقع السلاحف، إضافة إلى ألواح الخيزران والقماش، لتسجيل المعلومات.
لسوء الحظ، وخلال فترة الممالك أو الدول المتحاربة، أمر الإمبراطور تشين شي هوانغ دي (Qin Emperor Shi Huang Di) بإحراق السجلات المكتوبة، مما أدى إلى ضياع معظم النصوص الرياضية التي ألفت في تلك الحقبة؛ ومع ذلك بقي عدد محدود جدا منها محفوظا، ومن بينها نص يعد اليوم واحدا من أقدم المؤلفات الرياضية المعروفة في تاريخ العالم.
يعد كتاب تشو بي سوان جينغ (Zhou Bi Suan Jing) من أقدم كتب الرياضيات، إذ يحتوي على أعداد ورموز حسابية قديمة، ويعود إلى الفترة ما بين 500 و200 قبل الميلاد.
كما توجد كتب أخرى من الفترة نفسها، مثل كتب سوانشو شو (Suanshu Shu) وجيوي تشانغ سوان شو Jui) (Zhang Suan Shu.
لا يرتبط هذا النص بأسلوب الرياضيات التي تستعمل العيدان والألواح فحسب، بل يشير أيضا إلى أن الصينيين القدماء وضعوا نظرية فيثاغورس بشكل مستقل عن الفكر اليوناني، وهذا يطرح تساؤلا: فيما تختلف الرياضيات الصينية عن الرياضيات اليونانية؟
نحن أكثر إلماما بالرياضيات اليونانية، التي تركز على المنطق الاستنتاجي والإثباتات، أما النظام الرياضي الصيني فقد تطور بشكل مستقل، مع التركيز على حل المشكلات بطريقة خوارزمية، ومع ذلك، فقد أرست كلتاهما أساسا مهما للرياضيات، وتلاقت أنظمتها لاحقا من خلال التبادل الثقافي بين الشعوب.
من النظام القديم إلى الأعداد الصينية الحديثة
كما ذكرنا في مقدمة هذا المقال، لم تكن الصين دائما أرضا موحدة، لذلك من المنطقي أن نكون أنظمة الترقيم مختلفة.
فقد كان نظام الأعداد الذي يستخدم العيدان أكثر استعمالا في التجارة، لأنه كان أسرع في الرسم وأكثر مرونة؛ إذ كان بالإمكان التعبير عن الأعداد السالبة وتحديد الموضع بشكل أكثر دقة.
وكان ذلك يتم ببساطة عن طريق وضع العيدان إما عموديا أو أفقيا.
على سبيل المثال: للتعبير عن الرقم 231، كان التاجر يضع (أو يرسم) العيدان على النحو التالي: ll三l. وكان التناوب بين الوضعيات العمودية والأفقية يشير إلى نهاية رقم وبداية الرقم التالي.

ومن الجدير بالذكر أن هذا النظام العددي الصيني القديم تضمن الرقم 0 (صفر)، إذ كان من المستحيل تمييز قيمة الأعداد دون معرفة موضعها.
إن كنت ترغب في الحصول على دعم إضافي لفهم هذا الموضوع، فإن العمل مع مدرس رياضيات عبر الانترنت يمكن أن يوضح لك هذه المفاهيم.
هي عيدان قصيرة كان يستخدمها علماء الرياضيات في آسيا لإجراء العمليات الحسابية.
فإذا وضعت عموديا مثلت الأعداد الصحيحة.
وإذا وضعت أفقيا مثلت الأعداد الكسرية.
وكان الشكل المكتوب لهذه العيدان يسمى الأعداد العيدانية أو الأعداد القضيبية. وقد استخدمت، كما ذكرنا سابقا، لتسجيل الكميات أو التعبير عن القيم العددية، وتشير عدة مصادر مكتوبة إلى أن ظهورها يعود إلى فترة الممالك المتحاربة في الصين القديمة.
العداد الجيد لا يستخدم العيدان
لاو تسي، فيلسوف صيني
كان التمثيل المكتوب للعيدان يعكس شكلها الفعلي، لذا كان ترتيبها في البداية بسيطا وواضحا، لكن ومع تعقد العمليات الحسابية، تطورت هذه الرموز، وظهرت هذه التمثيلات العددية على شكل حروف مبسطة بعد الحرب العالمية الثانية.
ظهرت ألواح العد في القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت تشبه لوحات رقعة الشطرنج، إذ وفرت دليلا بصريا على القيمة المكانية، مما جعل استخدام عيدان العد أكثر فاعلية. كما ألغت الحاجة إلى رمز الصفر، حيث كان الرياضي يترك المربع فارغا إذا لم تخصص له أي قيمة.

الأعداد الصينية القديمة ودلالتها اليوم
لا تزال الأعداد الصينية القديمة حاضرة في الثقافة المعاصرة؛ فبعض الرموز التي تمثل الأرقام 1 و2 و3 و8، احتفظت بشكلها عبر آلاف السنين، بينما تعكس رموز أرقام أخرى، مثل 5 و10، جذورها في نظام عيدان العد.
ومثل الرياضيات المصرية القديمة، لم يستخدم الصينيون نظاما عدديا موضعيا. إذ كان النظام العددي الصيني القديم فعالا لدرجة أن السياق الإضافي لم يكن ضروريا.
ومع تطور أنظمة العد لاحقا، نتيجة للحاجة إلى حسابات أكثر تعقيدا في التجارة والإدارة، تطورت أنظمة العد في جميع أنحاء الصين، وكذلك الرموز المكتوبة.

ولا يزال النظام العد الصيني اليوم لا يحتاج إلى رموز بديلة للصفر، كما يميز بين الاستخدام اليومي - ممثلا بالأحرف المبسطة الموجودة على بطاقاتنا التعليمية - والكتابة التقليدية.
كما يمارس علم الأعداد كطقس روحي في الصين حتى اليوم. فيعد الرقم 8 رمزا للقوة والحظ الجيد، في حين يتجنب الرقم 4 بشدة لأنه يحمل إيحاءات سلبية (يشير إلى نقص في البركات والثروات).
لا يقتصر تأثير الرقم أربعة على تقليص الحظ إلى النصف فحسب، بل إنه أيضا يتشابه صوتيا مع كلمة "الموت" في اللغة الصينية.
وتعد أرقام سوتشو (Suzhou) المثال المتبقي الوحيد لاستخدام العد بالعيدان، وتعرض اليوم في المتاحف، كما يتعلمها الأطفال في المدارس بوصفها جزءا من التراث الثقافي.
وخلاصة القول، إن نظام العد الصيني الحديث يعود بجذوره إلى عهد أسرة تشين، وهو نظام أنيق وفعال، تطور وتبسط ليواكب متطلبات الرياضيات الحديثة، وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل يمكن قول الشيء ذاته عن الرياضيات البابلية؟
تلخيص باستخدام الذكاء الاصطناعي :














