تتضمن الكيمياء التحليلية (Analytical chemistry) جمع المعلومات المتعلقة بالمادة ومعالجتها وعرضها. ويدرس الكيميائيون التحليليون تركيب المادة وبنيتها، ثم يقدّمون تقارير عن خصائصها وفقًا لاحتياجات الجهة التي تطلب التحليل. ويتطلب هذا النوع من العمل التنظيم، والتفكير النقدي، ومهارات تواصل قوية.
البدايات الأولى للكيمياء التحليلية
قد يبدو مفهوم الكيمياء التحليلية غريبًا للوهلة الأولى. فهل دراسة الكيمياء وممارستها لا تتضمنان بطبيعتهما التحليل؟ إلى حد كبير، نعم. لكن هذه التحليلات تُجرى عادة لتحقيق أهداف وتطبيقات لاحقة.

على العكس، تُعد الكيمياء التحليلية غاية في حد ذاتها. إذ يهدف تحليل مادة ما إلى عرض النتائج والتوصل إلى معلومات عنها، وليس بالضرورة إلى ابتكار توجهات أو تطبيقات جديدة. ويمكن تلخيص الفكرة ببساطة في عبارة: «الآن، أصبحنا نعرف».
رواد الكيمياء التحليلية

يوستوس فون ليبيغ(Justus von Liebig)
الميلاد:
12 مايو 1803، في ألمانيا (دارمشتات)
الوفاة:
18 أبريل 1873، في ميونيخ
اشتهر بـ:
وضع أساليب ومعايير البحث في الكيمياء التحليلية والكيمياء الحيوية والكيمياء العضوية، إلى جانب مكثف ليبيغ، وعملية ليبيغ، وقانون الحد الأدنى لليبيغ، وغيرها.
الجوائز:
ميدالية ألبرت (1869)، وسام الاستحقاق (1851)، وسام جوقة الشرف (1850)، وميدالية كوبلي (1840).
منذ طفولته، كان يوستوس فون ليبيغ شغوفًا بالعلوم، ولسبب وجيه. فعندما كان في الثالثة عشرة من عمره، شهد النصف الشمالي من الكرة الأرضية شتاءً بركانيًا أدى إلى صيف كامل دون أشعة شمس كافية. وكان لذلك تأثير كبير، من بينها تضرر المحاصيل الزراعية ونقص الغذاء.
يعتقد كثيرون أن هذه التجربة أثرت في أعمال السيد يوستوس فون ليبيغ.
إلى جانب مجالات أخرى عديدة، ركز يوستوس فون ليبيغ على الكيمياء الزراعية (agricultural chemistry)، وهو مجال تطلب بطبيعة الحال دراسة الكيمياء العضوية واضطر إلى قطع طريق طويل للوصول إلى الجامعة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الظروف المالية لعائلته. كما كان يتمتع بأفكار جريئة، وكان يواجه مشكلات في المدرسة من حين إلى آخر بسبب آرائه السياسية.
أمضى فترة من دراسته في فرنسا، ويرجح أن سمعته كناشط سياسي كانت من العوامل التي شجعته على الدراسة هناك، إلى جانب المستوى الأكاديمي الذي كان بإمكانه الاستفادة منه. وبحلول سن 21 عاما، يبدو أن الخلافات المرتبطة بمواقفه السابقة قد انتهت، فعاد إلى ألمانيا وبدأ مسيرته المهنية مدرسا للعلوم.
أولى نجاحاته
من بين أبرز إنجازاته أنه أحدث تحولا جذريا في أساليب تدريس العلوم. ففي السابق، كان المعلمون يجرون التجارب أمام الطلاب، بينما يكتفون بالمشاهدة. أما بفضل منهجه، فأصبح الطلاب هم من يجرون التجارب بأنفسهم، في حين يقتصر دور المعلم على الإشراف على عملهم ومتابعته. ولا تزال أساليب يوستوس فون ليبيغ تمثل أساسا مهما للطريقة التي نتعلم بها العلوم حتى اليوم.
شعر بالضيق من القيود التي كانت تحد من استكشاف الكيمياء، بسبب نقص معدات الاختبار المتاحة في ذلك الوقت. لذلك، صمم جهازا بنفسه وصنعه لتحليل مكونات الغازات واختبارها. وكان جهاز كاليابارات (Kaliapparat) نقطة انطلاق مهمة في مسيرته. وسرعان ما أصبح يصمم ويصنع مختلف أدوات التحليل التي يحتاج إليها للإجابة عن الأسئلة العلمية التي كانت تثير فضوله وتدفعه إلى البحث والاستكشاف.
يعد يوستوس فون ليبيغ أحد أبرز العلماء الذين أسهموا في ترسيخ الكيمياء بوصفها علما قائما على أسس منهجية. وقد أسهم حسه التنظيمي، إلى جانب قدرته على ابتكار العمليات التحليلية بصورة حدسية، في تشكيل أساليب دراسة مختلف فروع الكيمياء.

تعريف الكيمياء التحليلية
ننتقل الآن من أسلوب يوستوس فون ليبيغ المتنوع في تحليل المشكلات إلى الدراسة المتخصصة في الكيمياء التحليلية. وبفضل منهجه القائم على المنطق والوضوح، أصبح من الممكن تحديد هذه الفرع الدقيق من فروع الكيمياء وتعريفه بصورة أكثر وضوحا.
تعريف الكيمياء التحليلية
يهتم هذا الفرع من الكيمياء بتحديد ماهية المادة، ودراسة خصائصها، وتحديد كميتها.
لكننا نعلم جميعا أن هناك أكثر من طريقة لدراسة الشيء نفسه، حتى الجزيئات الكيميائية. وفي الواقع، تدرس هذه الكيمياء المادة من خلال أربعة أساليب رئيسية، يركز كل منها على جانب مختلف منها.
ما هي أنواع الكيمياء التحليلية الأربعة؟
التحليل النوعي (Qualitative Analysis)

- يحدد المادة التي تخضع للتحليل.
- يصف خصائصها.
- يستنتج استخداماتها المحتملة.
التحليل الكمي (Quantitative Analysis)

- يحدد كمية المادة الموجودة.
- يحدد الكميات المطلقة والنسبية للمادة.
- يوضح النسبة المئوية لمكوناتها.
التحليل الآلي (Instrumental Analysis)

- يعتمد على استخدام أجهزة ومعدات تحليلية متخصصة.
- يتيح الحصول على قياسات عالية الدقة وقابلة للتكرار.
- يستخدم الأساليب الإحصائية لتقييم دقة القياسات وتقدير درجة عدم اليقين فيها.
التحليل الحيوي (Bioanalytical Analysis)

- يطبق الأساليب التحليلية على المواد البيولوجية.
- يفحص المواد الموجودة في العينات البيولوجية.
- يوثق النتائج ويقدم تقارير عنها.
وكما كان يعتقد عالم الكيمياء الذي تناولنا سيرته، فإن الخطوة الأولى في تحليل أي مادة تتمثل في فصلها إلى مكوناتها الأساسية. وعلى الرغم من أن الفصل لا يعد فرعا مستقلا من فروع الكيمياء التحليلية، فإنه يمثل خطوة أساسية في عملية التحليل.
ما طبيعة عمل الكيميائي التحليلي؟
من خلال التوضيحات الواردة في القسم السابق، قد تكون لديك بالفعل فكرة عن طبيعة عمل الكيميائيين التحليليين. كما تتناول المسلسلات والأفلام التي تتناول الطب والشرطة بعض جوانب الكيمياء التحليلية.
ومع ذلك، لا تتعمق هذه الأعمال عادة في الجانب العلمي، بل تكتفي بترديد مصطلحات مثل مطياف الكتلة (Mass Spectrometer) والبصمة الوراثية للحمض النووي (DNA Signature).
أما الكيميائي الذي يستخدم مطياف الكتلة، فمن المرجح أن يكون متخصصا في الكيمياء التحليلية الآلية.
وتتمثل مهمته في فحص العينات وتحليلها باستخدام الأجهزة والمعدات التي تلقى تدريبا متخصصا على استخدامها.

يمكن تشبيه هذا الدور بعمل فني الأشعة؛ فهو يتولى تشغيل الأجهزة والمعدات المتخصصة، وغالبا ما يجري تحليلا أوليا للنتائج.
يتدرب الكيميائي التحليلي على استخدام عدة أنواع من الأجهزة والمعدات التحليلية، من بينها:
- مقياس الألوان (Colorimeter)
- أنواع مختلفة من أجهزة قياس الطيف (Spectrometers)
- مقياس الاستقطاب (Polarimeter)
- مقياس الانكسار (Refractometer)
- معدات الكروماتوغرافيا (Chromatography)
- أنواع مختلفة من المجاهر (Microscopes)
- المطيافات الضوئية (Spectrophotometers)
- محللات حجم الجسيمات (Particle Size Analyzers)
ومن الجدير بالذكر أن العاملين في الكيمياء الفيزيائية يستخدمون الأجهزة نفسها أيضا، كما أن هذه القائمة ليست شاملة بأي حال من الأحوال. ويعتمد نوع الأجهزة المستخدمة على مجال التخصص، إذ قد يحتاج الكيميائي إلى معدات أكثر تخصصا وفقا لطبيعة عمله. وبعد الحصول على نتائج الاختبارات وتحليلها، يشاركها مع الجهة التي طلبت إجراء الاختبار.
التمكن من الأساليب الإحصائية
بما أن جزءا كبيرا من الكيمياء التحليلية يعتمد على القياسات والأساليب الإحصائية، يجب أن يمتلك الكيميائي التحليلي فهما راسخا لمبادئ الإحصاء.
ويستخدم أدوات إحصائية في مختلف التقنيات التحليلية للتأكد من أن البيانات التي يحصل عليها دقيقة وموثوقة وقابلة للتكرار.
وتعد الكيمياء التحليلية علما دقيقا ينطوي على قدر من عدم اليقين. لذلك، يجب على الكيميائيين تحديد درجة الدقة في نتائجهم وتقييم مدى موثوقيتها. وقد تكون عواقب إهمال ذلك خطيرة، نظرا إلى اتساع نطاق تطبيقات هذا التخصص في مختلف القطاعات.
ما المسارات المهنية المتاحة لخريجي الكيمياء التحليلية؟
يعمل الكيميائيون التحليليون في مجال البحوث الطبية والطب، كما يعملون في قطاع التصنيع، ولا سيما في الصناعات الدوائية والزراعية والكيميائية.

نجد الكيميائيين التحليليين أيضا في وظائف مراقبة الجودة، حيث تتمثل مهامهم في اختبار المنتجات للتحقق من نقاء مكوناتها وتوازنها الكيميائي، والتأكد من وجود هذه المكونات بالنسب الصحيحة.
وبدلا من ذلك، قد تشمل وظيفة مراقبة الجودة فحص الأجهزة والمعدات المستخدمة لإجراء هذه الاختبارات ومعايرتها.
لم يكن يوستوس فون ليبيغ الكيميائي الوحيد الذي ابتكر أجهزة ومعدات جديدة. وبصفتك كيميائيا تحليليا، قد تجد نفسك مضطرا إلى تعديل بعض الإجراءات التحليلية لفحص مواد مجهولة. وقد يتطلب الأمر أيضا تصميم جهاز أو معدات جديدة، أو تصنيعها، أو تجميع أدوات متاحة بطرق مبتكرة لتلبية احتياجات التحليل.
ليس من المستبعد أن يبتكر الكيميائيون التحليليون اختبارات جديدة، بل وقد يبتكرون أيضا أجهزة ومعدات جديدة.
النشر العلمي
الكيمياء التحليلية ليست مجالا تكتفي فيه بالحصول على الشهادة، بل تتطلب مواكبة مستمرة للتطورات العلمية. وبعد التخرج، ينبغي متابعة الأبحاث والمنشورات المتخصصة للاطلاع على الإجراءات والأجهزة الحديثة، وأساليب البحث المتطورة، وأبرز الاكتشافات والنتائج العلمية.
لا يحظى النشر العلمي في هذا الفرع من الكيمياء بالأهمية نفسها التي يحظى بها في مجال الكيمياء الحيوية. ومع ذلك، فإن الإسهام في إثراء المعرفة في مجال الكيمياء التحليلية يساعد على تطوير هذا العلم وتعزيز تقدمه. لذلك، يعد إعداد ونشر الأبحاث العلمية من المهام المهمة التي يضطلع بها الكيميائيون التحليليون.
مجالات العمل في الكيمياء التحليلية
تمنحك دراسة أي فرع من فروع الكيمياء مجموعة من المهارات القابلة للنقل، التي يمكنك توظيفها في مختلف بيئات العمل.

وتشمل هذه المهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، والقدرة على الاستدلال، والتواصل بفعالية.
كما يؤهلك التدريب المتخصص في الكيمياء التحليلية للعمل في مجموعة متنوعة من المجالات.
ومع ذلك، فإن طبيعة هذا العمل تعني أنك ستقضي معظم وقتك في المختبر. ويكمن الاختلاف بين أنواع العمل المخبري في الغرض الذي يُجرى من أجله.
مسؤول مراقبة الجودة
يشرف هؤلاء المتخصصون على عملية التصنيع بأكملها. إذ يفحصون المواد الخام، ويختبرون المواد في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، وصولا إلى المنتجات النهائية التي يخضعونها للاختبار أيضا.
تمتلك العديد من شركات التصنيع الكبرى مختبرات مجهزة داخل مواقعها، لذلك قد تعمل لدى الشركة نفسها أو لدى جهة متخصصة في خدمات الاختبار تعمل داخل منشآتها. وبحسب طبيعة المنتجات التي يتم تصنيعها، قد تقتصر المعدات التي تستخدمها على الميكرومترات والمجاهر. أما في بيئات العمل التي تتطلب تقنيات أكثر تقدما، فقد تستخدم أيضا أجهزة فصل متخصصة.

عالم الأدلة الجنائية
سبق أن أشرنا إلى الأعمال الدرامية التي تتناول التحقيقات الجنائية، ولم يكن ذلك من قبيل المبالغة. إذ يحلل عالم الأدلة الجنائية أدلة مثل الدم والتربة والألياف لتحديد تركيبتها ومصادرها المحتملة.

يعدون تقارير توثق نتائج تحليلاتهم، وقد يقدمون شهاداتهم أمام المحكمة.
يسهم عملهم في حل الجرائم، والأهم من ذلك، في إثبات براءة الأبرياء. وتوضح علوم الأدلة الجنائية بجلاء مدى أهمية الدقة، إذ قد تتوقف حياة أشخاص على صحة هذه النتائج.
العلوم الطبية
في هذا المجال، أمام الكيميائيين التحليليين عدة خيارات. فقد يساعدون الأطباء في تشخيص الأمراض، أو يعملون في صناعة الأدوية. وفي الحالة الثانية، تتركز أبرز جوانب عملهم في ضمان الجودة ومراقبة الجودة.
أما في الحالة الأولى، فإن فحص عينات المرضى وتلخيص النتائج يساعدان على دعم تعافيهم واستعادة صحتهم.
ويعد العمل لدى الجهات الحكومية خيارا آخر يمكن للكيميائيين التحليليين من خلاله توظيف تدريبهم في المجال الطبي.

تتطلب متابعة تفشي الأمراض ومراقبته استخداما مكثفا للأساليب الإحصائية. كما يمثل تحديد الملوثات وتتبعها وصولا إلى مصدرها وظيفة مهمة أخرى يؤديها هؤلاء الكيميائيون.
العمل الحر وريادة الأعمال
كانت شركات فحص الحمض النووي التجارية مجرد فكرة في بداياتها، قبل أن يحولها فريق طموح إلى مشروع بلغت قيمته مليار دولار. لكن مشاريع أخرى، مثل Theranos، لم تحقق النجاح نفسه.

ومع ذلك، فإن الإقبال الكبير عليها من الجمهور، إلى جانب نجاح المشاريع التي تمكنت من الاستمرار والازدهار، يبرز الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها هذا المجال.
وتوفر الكيمياء التحليلية فرصا مهنية واسعة في مختلف القطاعات. وإذا كنت ترغب في تطوير مهاراتك في الكيمياء والاستعداد لمسار مهني في هذا المجال، يمكنك الاستعانة بـ مدرس كيمياء في قطر للحصول على دعم متخصص ودروس تتناسب مع مستواك وأهدافك.
سواء واصلت العمل في مجال البحث الأكاديمي، أو اتجهت إلى التحاليل الطبية، أو عملت في القطاع الحكومي أو الصناعي، ستجد أمامك العديد من الفرص لتترك بصمتك في هذا العلم.
وقد تختار أيضا التخصص في دراسة الكيمياء غير العضوية، والبحث في المواد بهدف ابتكار مركبات جديدة ذات تطبيقات صناعية. فما زال هناك الكثير مما نجهله عن عالمنا الطبيعي، ويمكن لتدريبك في الكيمياء التحليلية أن يساعدنا على فهمه بصورة أفضل.
إذا وجدت بعض مفاهيم الكيمياء صعبة، يمكن أن يساعدك معلم كيمياء خصوصيعلى تبسيطها ومراجعتها وفق وتيرتك الخاصة.
تلخيص باستخدام الذكاء الاصطناعي :









